الخصوصية.. والحدود الشخصية

صورة

لكل انسان حدوده الخاصة التي يُمنع اختراقها، فهو يتمتع بسيادته لنفسه ولا يحق لأحد استباحة خصوصياته. إنه حر، خلقه الله حراً… ولا يحق لأحد التسلط عليه إلا بحدود التوجيه والرعاية والإصلاح والمجادلة بالتي هي أحسن.

إنه يمتلك حق التعبير عن نفسه واختيار تفضيلاته وفقاً لميوله وتطلعاته دون إلحاق الأذى بالآخرين.

عندما يفقد الانسان حريته ويفقد القدرة على التصرف وفق تفضيلاته، يشعر بالانكسار والأسى على كرامته المهدورة. فأين الكرامة وهو مسلوب الإرادة؟ أين قيمته كبشر خصه الله بالعقل الكلي والقدرة على الاختيار ثم يجد من يسلبه هذا الحق؟

ورغم أن مقولة عمر بن الخطاب (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتم أحراراً) لا زالت تتردد في أسماعنا إلى الحين، وجميعنا يتغنى بها فخراً وإعجاباً، إلا أن استعباد الناس لا يزال مستمراً بأشكال كثيرة، والكل يمسك بالسوط ليجلد به الآخرين، مرة بالتدخل السافر في الشؤون الشخصية، ومرة بالتسلط وفرض الرأي عنوةً، ومرة بإستضعاف من لا حيلة له وامتهان كرامته، ومرة بتصنيف الناس وفقاً لمعايير عنصرية…. والأمثلة كثيرة، وقليلٌ من يتعظ.

ولمن يقول أن الحرية تشكل خطراً على المجتمع عندما تفقد البعد الأخلاقي، نقول لهم أن الحرية الفاقدة للبعد الأخلاقي هي في الحقيقة ليست حرية، إنما انحلال وفساد… إنها شيء مغاير تماماً للحرية بمفهومها الإنساني السليم. ولكن المشكلة تكمن في تحديد إطار البعد الأخلاقي. فالاعتبارات الأخلاقية تتباين بشدة في البيئات الاجتماعية، وبين أسرة وأخرى، وبين فرد لآخر. وهنا الطامة الكبرى، عندما يقيس الانسان تصرفات الآخرين بحسب قاعدته الأخلاقية الخاصة، وقناعاته الشخصية، ويمنح نفسه حق الحكم عليهم وتصنيفهم بل والتسلط عليهم إن أمكنه ذلك. وتبدأ المشاكل بالتفاقم بين الأفراد والمجتمعات لسبب يعود إلى عدم ترك المرء لما لا يعنيه وإصراره على اقتحام خصوصيات الآخر.

هناك من يتخذون انتقاد الآخرين هواية لهم ولا يكلفون أنفسهم عناء التفكير في ثغراتهم ونواقصهم قبل أن ينشغلوا في الحكم على الآخرين بمنطق مثالي وأخلاقيات رفيعة لا تمثلهم! فكم من الناس تعجبك أقوالهم وتصدمك أفعالهم؟ إنها الأفواه الكاذبة التي تتشدق بمبادئ لا تطبقها، وتدعي أخلاق لا تملكها… إن الرغبة في التجمل الزائف أمام الناس تجعل صاحبها جاهزاً للنفاق، فغاية كسب القلوب والإعجاب والتصفيق تبرر التشدق بأخلاقيات ما كانت يوماً حيز التطبيق! ولا زلنا ننبهر ونصفق للأخلاقيات الشفهية دون أن يكون لها مكان في أرض الواقع. وكان الحري بنا أن نحترم من يلتمس الأعذار للآخرين، وينئى بنفسه عن اصطياد عيوبهم والمجاهرة بها، ويطبق المبادئ التي يؤمن بها بالفعل دون الحاجة إلى استعراضها بالكلام.

الله منحك الحياة، إنها اختبارك وامتحانك الذي ستجزى عليه، فحافظ عليها وعشها كما تريد بالخير والحق والإحسان، تمسك بحريتك ولا تسمح لأحدهم بسلبها منك، واحترم حريات الآخرين… احرص على سعادتك وإياك أن تسلب سعادة الآخرين بالتسلط والتحكم المذموم. فالكبت يولد الانفجار، وكثرة النقد تولد النقمة والنفور. والكلام في هذا المجال يذكرنا بقول الكاتب المبدع الراحل مصطفى محمود: (لابدّ من احترام المسافة التي تحفظ لكل فرد مجاله الخاص وكينونته الخاصة كإنسان مستقل له الحق في أن يطوي ضلوعه على شيء). فحلق وأبدع في مجالك الخاص، واحترم مجال الآخرين.

لانا حمزة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *