أسرار النفوس

لكل نفس آلام لا يسمع أنينها أحد.. تسري في النفوس دون ضجيج، تحيط بها بسرية وكتمان.. فليست كل المشاعر علنية، وليس كل ما يدور في نفس الانسان ظاهر.

منها ما يكون خفيف الأثر ولا يعيق الحياة، ومنها ما يكون أشد وأقسى.. ذلك الألم الذي يمزق قلب صاحبه فيشعر نفسه أسير أحزانه ويشفق على نفسه مما هو فيه.. يتمنى لو كان بإمكانه الحصول على إجازة من الحياة بكل متاعبها وصعوباتها ليعود أكثر توازناً وتماسكاً.. ولكن هيهات فمن يغادر الدنيا لا يعود.. وهو لا يريد الموت، إنه يريد الحياة المطمئنة لينجز وينجح ويتميز ثم يرحل في أوانه راضياً مطمئناً. يريد أن يدرك يقيناً أن الدنيا لا تزال بخير وأن الفرج آتٍ وأن آلامه ليست مجانية عبثية بل هي معبر لا بد منه للانتقال من الضيق إلى الفرج… يريد أن يكون قوياً لا مستضعفاً في الأرض.. عزيزاً غير مهان، منتصراً غير مغلوب، معافى غير مبتلى.

حتى من بين الناس الذين يُنظر إليهم كسعداء وذوي حظ وافر، تجد من يتألم بصمت على أمور لا يعلمها أحد سوى صاحبها. إنها أسرار النفوس، ولا يدري حقيقتها إلا خالقها.. وما زلنا نأخذ بالظاهر ونتطلع إلى أحوال الآخرين على أنها الصورة المتكاملة الجلية ولا نعلم أن كل نفس فيها أدغال من المشاعر المكتومة.. وقد تكون عصية الفهم حتى على صاحبها فيحتار في حقيقة ذاته.

وليس بالضرورة أن تكون أسباب الحزن قوية أو حتى منطقية، فقد يحزن البعض لأسباب قد يجدها غيرهم واهية جداً، ولكنها بكل الأحوال تشقي صاحبها. فلا تستهن بألم أحد مهما بدى لك دون مبرر. فكل إنسان أسير أفكاره ومشاعره وذكرياته.. وكما تختلف ظروف الناس، تختلف أفكارهم وطريقة رؤيتهم للأمور.. ولكن البعض يضيق ذرعاً بشكاوى الآخرين ويعتبر نفسه صاحب الهم الحقيقي وغيره متذمر وباطر وآلامه ليست سوى تذمر المترفين.

لست وحدك تتألم، الجميع يتألم بدرجات متفاوتة. ومهما كانت أسبابك للحزن كبيرة، فالله أكبر من كل هم وحزن ومن كل شيء في الوجود. إنها كلمات نرددها دون أن ندرك معناها.. الله أكبر مما يشقيك، وهو الرحمن الرحيم الذي يعلم ما يدور في نفوسنا ويقول في كتابه العزيز: ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).. فلا يرهبك الحزن ولا يجزعك الألم، توكل على الله وافتح نفسك للأمل وصمم على النجاة بنفسك من براثن الأحزان.

وكعادتنا، نجد في كتابات الراحل مصطفى محمود ما يثري موضوعاتنا بكلمات عميقة ناتجة عن عقل فذ ما تعب من البحث عن الحقيقة.. يقول الكاتب الراحل: (كل خطوة تخطوها في الطبيعة حولك تجد فيها أثر الرحمة والعناية والرعاية.. لم يقذف بنا إلى الدنيا لنعاني بلا معين كما يقول سارتر، “إن كل ذرة في الكون تشير بإصبعها إلى رحمة الرحيم”.. حتى الألم لم يخلقه الله لنا عبثاً.. وإنما هو مؤشر وبوصلة تشير إلى مكان الداء وتلفت النظر إليه. ألم الجسد يضع يدك على موضع المرض، وألم النفس يدفعك للبحث عن نفسك، وألم الروح يلهمك ويفتح آفاقك إلى إدراك شامل. وبالألم ومغالبته والصبر عليه ومجاهدته تنمو الشخصية وتزداد الإرادة صلابة وإصرار، ويصبح الانسان شيئاً آخر غير الحيوان والنبات).

كل إنسان يقيّم أحوال الدنيا من زاويته الخاصة ووجهة نظره الضيقة هو إنسان مغيّب عن الحقيقة. فكلما أدركت أنك لا تدري، وأنه من الصعب إطلاق الأحكام لأن الخبايا أكثر من الظواهر، اتسع أفق تفكيرك ووجدت في نفسك السماحة والميل لتجنب الأحكام القاطعة والاستنتاجات المتسرعة.

نحن فعلاً لا نعرف إلا اليسير من الحقائق، والجزء الغالب في محض الغيب. افتح عقلك على احتمالات عديدة خفية عنك بدلاً من أن تفزع لما تراه يجري حولك، واطمأن لعدل الله الخفي.

احترم أسرار النفوس، أدرِك قصور عقلك عن فهم الحقيقة كاملة.. ركز على ذاتك وغالب الألم بالأمل ولا تستلم أبداً لأحزانك.. واعلم أنه بإرادتك تحقق سعادتك.

 

لانا حمزة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *